أبي منصور الماتريدي

181

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قيل : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ ، أي : اتقوا أن تكونوا فتنة للذين ظلموا ؛ كقوله : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ الممتحنة : 5 ] رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ يونس : 85 ] ، ووجه جعله إياهم فتنة للذين كفروا : هو أن يجعل العدو غالبا عليهم منتصرين وهم المغلوبون ، فيظنون أنهم على حق والمؤمنون على باطل ؛ فذلك معنى دعائهم : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ يونس : 85 ] ؛ لئلا يقولوا : لو كانوا على حق ما غلبوا ، ولا قهروا ، ولا انتصر منهم . وقيل : قوله : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا : نهى الأتباع منهم ؛ أن يسعوا فيما بين الظلمة بالفساد ، ولا يغري بعضهم على بعض ، فيقع فيما بينهم الفساد ، فيكون هؤلاء الأتباع فتنة للذين ظلموا بإغراء بعضهم على بعض ، وذلك معروف فيما بين الخلق في الظلمة ، يغري الأتباع بعضهم على بعض ؛ فذاك فتنة . ويحتمل وجها آخر : وهو أن الله - تعالى - يغير الأحوال في الخلق : مرة سعة وخصبا ، ومرة قحطا وضيقا ، ومرة غلبة العدو على الأولياء ، ونحوه ، ويدفع العذاب عن الظلمة بمن لم يظلم ما لم يشاركوا الظلمة ، فإذا شاركوا أولئك يحل بأولئك بظلمهم ، وأهل الصلاح والعدل بتركهم الظلمة ، وأهل الفساد ولهم قوة المنع لهم عن ذلك ؛ فيقول : لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، ولكن تصيبهم وتصيبكم ، فقال : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً أخذ الظلمة « 1 » العذاب لمشاركة أهل العدل أولئك ، فيكونون فتنة لهم ؛ كقوله : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ البقرة : 251 ] . أو أن يدفع عن الظلمة البلاء والعذاب ما دام أهل العدل يأمرونهم بالمعروف ، ويغيرون عليهم المنكر ، فإذا تركوا [ ذلك ] « 2 » ولا يغيرون عليهم المنكر ، نزل بهم البلاء ، فيعمهم البلاء ، الظالم وغيره . والفتنة على وجهين : [ الأول ] فتنة الجزاء ، جزاء أعمالهم ، وتلك تأخذ أهلها خاصة . و [ الثاني ] فتنة المحنة ، وتلك تعم الخلق ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ . . . الآية .

--> ( 1 ) في ب : أحدا لظلمة . ( 2 ) سقط في أ .